محمد محمد أبو ليلة
171
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
الفصل الثاني القراءات المتنوعة ومصاحف الصحابة القراءات القرآنية مثل القرآن نفسه تنزيل من اللّه العزيز الحميد ؛ نزل القرآن على سبعة أحرف لتيسير قراءته على الأمة كما قال تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 ) ( القمر : 17 ) . عرّف الزركشي القرآن والقراءات بقوله : " ( القرآن ) ، و ( القراءات ) حقيقتان متغايرتان . فالقرآن هو الوحي المنزّل على محمد صلى اللّه عليه وسلم للبيان والإعجاز ، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفيتها ؛ من تخفيف وتثقيل وغيرهما « 1 » . ولأن العرب كانوا يتكلمون بعدة لهجات ، وبلغات متقاربة لكنها مختلفة من حيث الإمالة والنبر ، أو الهمز ، أو التليين والمد ، وغير ذلك ، فقد وسّع اللّه لهم أن يقرءوا القرآن ، كلّ حسب ما نشأ فيه ودرج عليه ، إذ لو كان كلّف أحدهم ترك لغته التي ألفها واعتادها لشقّ عليه ذلك ؛ والقرآن لم يأت بالحرج والمشقة ؛ بل إن الأمم الكثيرة التي دخلت في الإسلام بعد ذلك ، وكانت تتكلم بلغاتها القومية التي تختلف عن العربية في تراكيبها وصوتياتها ، وكان يصعب عليها والأمر كذلك ، نطق بعض الحروف العربية وهي تقرأ القرآن ولا يزال الأمر كذلك حتى اليوم . والمسلم مكلّف بقراءة القرآن والتعبد به في لغته الأصلية ؛ وقراءة القرآن ، والنظر فيه عبادة . وفي جواز قراءة القرآن باللهجات المختلفة دليل على عالمية الإسلام ، وشمول دعوته وخاتميته . روى الترمذي عن أبي بن كعب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقى جبريل فقال : " يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين ، منهم العجوز والشيخ الكبير ، والغلام والجارية ، والرجل الذي لم يقرأ كتابا ، فقال يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف " رواه الترمذي ، وقال حسن صحيح . وقد تلقى العرب القرآن سماعا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومنهم الرجل الطاعن في السن والمرأة والكهل والطفل الذي يصعب عليه التحول عن لغته « 2 » ، فجاءت هذه
--> ( 1 ) الزركشي - البرهان ج 1 ص 313 وقارنه بما أورده السيوطي في الإتقان ج 1 ص 222 . ( 2 ) البرهان 1 / 227 .